أبي منصور الماتريدي

326

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

صحة ما ذكرنا قوله - عزّ وجل - : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ يس : 47 ] ؛ فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام ؛ فدل أنه أريد بذكر الإقامة قبولها ، لا وجود عينها ، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة ، ويقروا بإيتاء الزكاة ، وقد يجوز أن يذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ويراد به القبول ؛ قال الله تعالى : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التوبة : 5 ] ، ولم يكن إيجاد « 1 » الإقامة وإيجاد « 2 » الإيتاء من شرط « 3 » التخلية ؛ بل كان معناه على القبول ، فإذا أقروا بالصلاة وقبلوا إقامتها ، وأقروا بالزكاة ، لزم تخلية سبيلهم وإن لم يوجد منهم الفعل بعد ؛ فلذلك صلح حمل التأويل على القبول ، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل ؛ لما ذكرناه . هذا إذا ثبت أن تأويل قوله : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ منصرف إلى الصلاة المعروفة ، فكيف وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين : الموحدين هاهنا ؛ لأن أهل الصلاة هم المسلمون ، يقال : « أجمع أهل الصلاة على هذا » ، ويعني به المسلمون . ثم الله - عزّ وجل - جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة وترك الإطعام ، وهذا - والله أعلم - يحتمل وجهين : أحدهما : أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة هو الذي يقر بيوم الدين ؛ لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء ؛ لما يطمع من المنافع في العواقب ، ويتقي بتركها مخافة التبعة في العواقب ؛ فإذا لم يقر بيوم الدين ، لم يرج المنافع ، ولا خاف المضار ؛ فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة ، وعلى ترك إيتاء الزكوات ، وعلى جحدها كلها وعدم قبولها ، وهو كقوله - عزّ وجل - : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الماعون : 1 - 3 ] ؛ لعدم رجاء العواقب ؛ فإذا لم ير لفعله عاقبة ، لم يقم بالانتصار لليتيم ، ولا قام بالإحسان للمسكين ، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم ، وترك الإحسان إلى المسكين ؛ فلذلك جمع في الذكر بين [ تكذيب ] « 4 » يوم الدين وبين ترك الصلاة ، وإيتاء الزكاة وترك الإطعام . وجائز أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وظفت عليهم بالإسلام ؛ لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين ، لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة

--> ( 1 ) في ب : اتخاذ . ( 2 ) في ب : اتخاذ . ( 3 ) في ب : شرائط . ( 4 ) سقط في ب .